عمر فروخ
77
تاريخ الأدب العربي
يختلج في نفسه ، والا يتكلف في ايراده ، بقطع النظر عما إذا كانت الحوادث التي يذكرها قد وقعت أو لم تقع أو كان مبالغا فيها . فليس من الضروري مثلا ان يكون قول عمرو بن كلثوم : ملأنا البر حتى ضاق عنا ، * وماء البحر نملأه سفينا صحيحا ( ونحن نعلم أنه غير صحيح ) . ولكن المهم ان عمرا كان يشعر هذا الشعور فجاء بيته هذا صادقا في التعبير عن شعوره هو . ( ب ) النزعة الوجدانية - والشعر الجاهلي وجداني في الدرجة الأولى ، يصف نفس قائله وشعوره . حتى أن الشاعر القديم كان إذا عرض « لبحث موضوعي واقعي » ، كوصف الصيد والحرب أو كالحكمة والرثاء ، لونه بشعوره هو فانقلب الموضوع الواقعي في شعره موضوعا وجدانيا . والأدب في الحقيقة هو الانتاج الوجداني المطبوع . ووصف ابن قتيبة الشاعر المطبوع فقال فيه « 1 » هو « من سمح بالشعر واقتدر على القوافي ، وأراك في صدر بيته عجزه ، وفي فاتحته خاتمته ، وتبيّنت على شعره رونق الطبع ووشي الغريزة ، وإذا امتحن ( بانشاد شعره ) لم يتلعثم ولم يتزحّر « 2 » » . ولذلك كره النقاد أشعار العلماء إذ ليس فيها شيء جاء عن إسماح وسهولة كشعر الأصمعي وشعر ابن المقفّع وشعر الخليل ( ابن أحمد ) » ، وسواهم « 3 » . ولعلّهم من أجل ذلك أيضا فضلّوا أشعار البدو على أشعار الحضر لما في أشعار البدو من الطبع في القول والعفو في النظم ، ولما في أشعار الحضر من التكلّف بعوامل من العلم والمداراة وتعقّد الحياة الاجتماعية . ( ج ) البساطة - ان الحياة الفطرية والبدوية والقدم في الزمن عوامل تتضافر على جعل الشخصية الانسانية ساذجة بسيطة ، كذلك كانت البيئة الجاهلية ، وكذلك كان اثرها في الشعر الجاهلي . جرى الشاعر الجاهلي على طبعه وسجيته فلم يتكلف القول في ما لم يشعر به ولا تكلف الإحاطة والشمول ولا التخريج والتعليل ولا التعقيد والمعاصاة في ما
--> ( 1 ) الشعر والشعراء 26 ؛ راجع العمدة 1 : 108 وما بعدها . ( 2 ) أحدث صوتا كأنما يريد أن يخرج منه شيئا بالجهد . ( 3 ) الشعر والشعراء 10 - 11 .